عزلةٌ على قارعة الصمت _ ياسين بن محمد حراثي
عزلةٌ على قارعة الصمت..
إلى الظل الذي يرافقني، وإلى الضوء الذي هجرني.
أكتب إليك من عتمة هذا الليل السحيق، ومن عمق هذا السكون الذي يطبق على صدري كجبال من رصاص. أرسم الكلمات بدموع جفت قبل أن تلامس الورق، وبصوتٍ تحول إلى مجرد صدى يتردد في دهاليز روحي المقفرة.
تتراءى أمامي صورة تجسد حالتي، لوحة فنية صامتة تتحدث بلسان البؤس والألم. وردة حمراء، ذابلة على حجر بارد، قطفت قبل أوانها، تماما كما قطفت أزهاري من بستان الحياة. أوراقها تتساقط واحدة تلو الأخرى، كأنها تعلن استسلامها أمام قسوة القدر، وتترك خلفها ذكريات عابرة لم تدم طويلا.
وإلى جانبها، كأس من النبيذ، ليس للبهجة والاحتفال، بل لسكب الأحزان ونسيان الألم. نبيذ أحمر، قاتم كدماء الجراح، يملأ الكأس كأنه بحر من الدموع التي لم تسكب بعد. دخان متصاعد منه، كأنها أرواح تائهة تبحث عن مأوى، أو صرخات صامتة تخترق صمت الليل.
وأغصان شائكة، تلتف حول الكأس كأنها قيود من الألم، وتذكرني بالجراح التي تركتها الحياة في قلبي. أشواك حادة، تطعن روحي كلما حاولت الاقتراب من السعادة، وتمنعني من الوصول إلى شاطئ الأمان.
وفي الخلفية، سماء مظلمة، تتخللها غيوم سوداء، كأنها حجاب يحجب عني نور الأمل. قمر خافت، يكاد يختفي خلف الغيوم، كأنه ضوء باهت يذكرني بأن هناك بصيص أمل ولكنه بعيد جداً، ويصعب الوصول إليه.
أشعر وكأنني هذه الوردة الذابلة، وهذا الكأس الممتلئ بالأحزان، وهذه الأغصان الشائكة التي تقيدني. أشعر وكأنني سجين في سجن من الألم، ولا أجد مفتاحا للخروج منه.
أكتب إليك، يا ظلي، لأنك الوحيد الذي يفهمني، والوحيد الذي يشاركني وحدتي.
أكتب إليك لأفرغ ما في قلبي من أحزان، ولأجد بعض العزاء في كلماتك الصامتة.
أعلم أنك لا تستطيع الإجابة، ولكن مجرد معرفتي بأنك تستمع إليّ، يمنحني بعض الأمل. يمنحني الأمل بأن هناك من يهتم بي، ومن يشعر بألمي.
سأستمر في الكتابة، يا ظلي، حتى ينفد حبري، وتجف كلماتي.
سأستمر في الكتابة حتى أجد طريقا للخروج من هذه العتمة، وحتى يشرق نور الأمل في حياتي مرة أخرى.
ياسين بن محمد حراثي



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات