ورقةُ مَحرمةٍ _ هناء عبد العال
ورقةُ مَحرمةٍ (منديل ورقي)في مهبّ المبادئ
رجعتُ من تلك الدائرة الحكومية، و"الفيوز" عندي قد طفُئ تماماً. كان الموظفون والأنظمة في غاية "الرواق والحنان" على المواطن، لدرجة أنني من كثرة التشهد والذكر والصلاة على النبي كسبتُ إيماناً جديداً، دون أن أكسب نتيجةً واحدة لمعاملتي!
ركبتُ سيارة الأجرة مستسلمةً للمقعد، وقطرات العرق تسيل على جبهتي كأنها دموع خفية. التفتّ إلى السائق وقلت بإنهاك: "الله يرضى عليك يا ابني.. رجعني على البيت فوراً".
نظر إليّ عبر المرآة وقال بقلق: "حاضر خالة.. بس كأنك مو منيحة؟ ملامحكِ مفوّرة!"
أجبتُه وأنا أجفف وجهي بمنديل ورقي بلله التعب: "والله يا خالة كسبوني الصلاة على النبي، ورجعتُ بمشكلة جديدة فوق مشكلتي القديمة.. رجعني على البيت حاجتي لليوم".
فتحتُ الشباك قليلاً لأتخلص من المنديل الغارق. وقبل أن تحكموا عليّ؛ أنا لستُ مهملة، وأمقتُ هذا التصرف بشدة وأنتقد من يفعله، لكن الغضب والحرّ أعميا يا بصري في تلك اللحظة العابرة. رميتُ المنديل، وأغلقتُ النافذة بسرعة لأحافظ على بقايا برودة التكييف الضئيلة.
فجأة، انطلق بوق سيارة بجانبنا (طوط.. طوط). اعتقدنا في البداية أنه يريد تجاوزنا من اليمين ليلحق إشارة أو طارئاً، لكنه استمر بالمحاذاة والزمور لا يهدأ، وكأن نبرته تحمل عتاباً خفياً يستدعيني للخارج.
التفتّ نحوه بضيق.. وفي تلك اللحظة، التقت أعيننا مباشرة عبر الزجاج الفاصل.
لم يكن وجهه مكفهرّاً بالشتائم كما يتبادر للذهن في زحام الطرقات، بل كان هادئاً، محتقناً بلومٍ راقٍ ونبيل. رفع يده بهدوء، وأشار بإصبعه باتجاه الشارع، ثم بصرامة خفيفة نحو المكان الذي استقر فيه المنديل المنكوب.
أحسستُ بأن الزمن توقف لثوانٍ معدودة؛ تجمّد الهواء داخل السيارة، وارتجف قلبي بغتةً كمن أُمسك متلبساً بجرمٍ صغير. وسط هذا التوتر الدرامي المباغت، وبدلاً من أن أشيح بوجهي غضباً، رفعتُ يدي ببطء، وأشرتُ بإصبعي إلى صدري بمعترفٍ خاضع: "نعم.. أنا من فعلها".
تلاشت قسوة الموقف في تلك اللحظة؛ نظر إليّ بنظرة عتاب أخيرة، مليئة بالأسف الصادق، ثم مضى في طريقه بهدوء كأنما ألقى درساً في الأخلاق ثم رحل.
وهجمت عليّ الأفكار كطوفان: "يا إلهي! أوقفتَ سيارتك وعطّلت طريقك، وأنت لستَ شرطياً ولا رقيب سير، لأجل ورقة محرمة (منديل ورقي)؟ ألا ترى الكم الهائل من الأوساخ على جنبات الطرقات؟ هل وقفت الدنيا عند ورقتي؟"
لكن، ما إن وصلتُ إلى البيت، ودخلتُ عتبة بابي، حتى هدأت عاصفة الغضب في صدري، وبدأت أرى المشهد بعينٍ أخرى خلعت منها كل أعذار التعب. فكرتُ في ذلك الرجل الغريب.. كم كان حريصاً ونبيلاً! لقد نبّهني إلى فعلٍ يسيء للنظافة العامة، ويسيء لأولئك العاملين المتعبين تحت الشمس الذين لا نقدّر كفاية جهودهم في رفع قاذوراتنا.
كم احترمتُ ذلك الرجل! في لحظة غضب كنتُ فيها خارجة عن قناعاتي، جاء توجيهه الصامت والبسيط ليعيدني إلى نفسي، ويوقظ في داخلي إنسانية كادت تحرقها بيروقراطية الدوائر وحرارة الظهيرة. تصرفٌ صغير كهذا، لو قام به الأغلبية، لغيّر وجه مدننا بالكامل.
من قلبي.. أرفعُ لهذا الغريب القبعة.
بقلم هناء عبد العال



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات